إعلانات | |
|
| |
مقالات أخرى
المجتمع المعاق وحضارة الهدرة
وهذه ظاهرة صحية تحسدنا عليها
مجتمعات كثيرة تتمتع بحاسة التأدب وصعوبة التعبير ولكن عندما تتوقف قدرات المجتمع
عند حد الثرثرة الفارغة فإنها تبقى ظاهرة مرضية يمارسها أفراد يعانون من اضطهاد لا
يستطيعون التغلب عليه أو محاربته يبقى اللسان هو الوسيلة الوحيدة للتنفيس عن
غليانهم وكبتهم المستديم وبالتالي تصبح هذه الظاهرة صورة معبرة عن مجتمع يتعايش مع
كم هائل من القهر والاضطهاد وسوء التنظيم وقلة الحيلة فلا هذا المجتمع قادر أن
يستوعب مشاكل أفراده ولا الفرد له القدرة على تحرير نفسه من النظام المجتمعي المعقد
الذي يعيشه مما يصعب عليه تطوير إمكانياته والانطلاق بسلاسة خارج القيود المكبل بها
وهنا لم تعد أي إمكانية لدى هذا المجتمع (المعاق) سوى الثرثرة والتذمر وصناعة
مقاومة مغالطة لحدود أفرادها لذلك لا غرابة بان تكون بلادنا من أكثر شعوب العالم
(هدرة) نرتقي إلى حضارة (القول) بينما مجتمعنا يعتبر اقل الشعوب (عملاً).!!
وتدل سلوكياتنا الحياتية على ولعنا وشغفنا بتشييد عوامل الحضارة الكلامية فتجد
الإنسان اليمني يولي المقيل اهتماماً خاصاً في حياته ويعمد إلى التفكير أولا وأخيرا
في موقع (الديوان) داخل المأوى الذي يسكنه وإذا كان من ذوي الدخل المفتوح نجده يفرط
في إبرازه وتحسينه وإدخال فن النقش المعماري وجعله تحفة للناظرين وذلك كله من اجل
خاطر عيون (جلسة الثرثرة) أثناء وقوعهم أسرى لعادة مضغ القات !! ونادراً ما نسمع أن
هذه العادة تتناسب مع الجلسات الأدبية (صالونات) أو لتداول هموم المجتمع وحل مشاكله
وإذا حدث وتصادف أن كانت الجلسة المقيلية مخصصة لهكذا نوع فإنها تكون ثقيلة دم على
(المخزنين) وتحرمهم من (الفهنه) والراحة الكلامية المتحررة!!
فالمواطن اليمني بعادته (القاتلة) هذه أوجد لحكوماته فرصة ذهبية لتسيير أمور الحياة
كيفما تتوافق مع مصالح (السلطة) على حساب المجتمع لكون هذه الحكومات قد وجدت في هذه
العادة ذخيرة لها يمتص ثورات الغضب والقهر ويحيلها إلى ثرثرة صاخبة تنفس كثيراً عن
ذلك البركان المتفجر الموجود في صدر كل فرد من عامة الشعب تجاة الممارسات الخاطئة
بحقه من قبل حكوماته وليس هناك غرابه بان نجد الحكومة اليمنية تسهل كل ما أمكن
تسهيله في سبيل نشر هذه العادة اللعينة في كم اكبر من داخل فئات الشعب وتتهاون مع
كل إجراء يعيق انتشار ظاهرة زراعة القات بأي طريقة كانت فذلك يعني صناعة مجتمع خاضع
(يقول ما لا يفعل) وبنفس الوقت تشغل أفراده ببذل جهود مضاعفة للحصول على وجبة القات
وجعل اهتمامه الأول ينصب نحو ذلك وتشتيت أفكاره وأعماله بالتحضير للأجواء المناسبة
(للتخزين) والبحث عن (مقيل ثرثاري) لتفريغ ما في صدورهم من ردود فعل غاضبة حتى
أصبحت أمور شراء القات والتحضير للمقيل والتخزين من الأوليات الأكثر أهمية في حياة
المواطن مما أوجد وضعاً غير طبيعي نتعايش معه كل يوم بحيث أصبح كل فرد منا يعطي
القات جزءاً واسعاً من وقته وحيزاً عميقاً في عمق شخصيته بعكس كل فرد يعيش على هذه
الأرض الذي يولي أمورا مثل الغذاء والمأوى وتحسين قدراته العلمية والمادية قبل كل
شيء إضافة إلى أن هذه الظاهرة مع تقادمها أوجدت ممارسات وسلوكيات حياتيه سهلت على
السلطة قيادة الشعب لخدمة مصالحها دون اعتراض أو حتى استفسار يوجه إلى مسؤول لماذا
لا تخدم وطنك؟! اللهم التذمر الوقتي في مقايل الثرثرة الفارغة وتفريغ الشحنات
المتشنجة بدون جهد أو استفسار هامشي عن السلطة وأفعالها؟!
لذلك لا عجب أن نرى في كل منزل وشارع ومكان عمل مواطناً وقد اخذ يسب ويشجب وينتقد
ويكشف ألاعيب وفضائح مميتة تمارس بحقه أو بحق الشعب بأكمله! يشاركه بهذا الصراخ
الغاضب حشد هائل من المواطنين دون أن يهز ذلك شعرة في مفرق رأس مسؤول!! ولا عجب بان
نجد حكوماتنا ومسؤولينا أكثر ثرثرة وتبجحاً بالقول وأحياناً كثيرة ( بالشكوى)
وعندما نقرأ يومياً على صدر صحفنا الكثيرة اللهم لا حسد!! فواجع وكوارث ونكبات تحدث
في معظم جنبات الوطن ومع ذلك لا نجد أي ردة فعل لمعالجة ذلك أو حتى للتوقف عن هذه
الانتهاكات المفضوحة ولو خجلاً أو حياءًً!!
فكيف بالله لشعب يبذل كل ما أعطاه الله من إمكانيات وقدرات في سبيل التمتع بمعاقرة
عادة مضغ القات وإخضاع كل شيء ممكن من مال وفكر وبدن أن يمارس أي دور في الحياة
الطبيعية سوى الثرثرة والتنظير والجعجعة!!
فكلما كانت سلوكيات (الثرثرة) صابغة في نسيج المجتمع اليمني كان للقات الدور الكبير
في تعميقها وتجذيرها عميقاً داخل تجاويف الشخصية نازعة منها كل بذور المقاومة لأي
خلل غير طبيعي يحدث لها!! ومن هنا عمدت السلطة على ترسيخ هذه الظاهرة وإفساح المجال
لانتشارها لما لها من فوائد تنصب في (تغييب الفرد والمجتمع) عن الدور الحقيقي
والوطني الإنساني الذي خلقه الله وجعله (خليفة في الأرض) ليعمر الأرض وينشر السلام
ويرتقي إلى سلالم القوة والتطور وهذه الأشياء التي لا ترغب حكومتنا أن يتحصل عليها
أفراد الشعب اليمني ولا تحاول لمجرد المحاولة تطبيقها طالما وان المواطن اليمني
أسير عادة القات وبطل العادة الثرثارية.. فماذا سيعيق السلطة عن تطبيق برامج تتفق
ومصالحها الخاصة؟! وإذا كان هناك من وسيلة ستتخذها لنيل هذه الحرية الكاملة بالتفرد
التام بغرض تسلط الفساد وعجرفة مراكز القوى لن تجد الحكومة اليمنية أفضل من
القات مع التمتع بإرهاق هذا الإنسان الأجوف في دهاليز معيشته المميتة دون خوف أو
تأنيب ضمير لذلك!!
الرأي-العدد(250)-الثلاثاء3/4/2001م
|
|
|
بريدك المجاني | |
|
آخر المقالات | |
|
من
الأرشيف | |
|
|